الشيخ عبد الغني النابلسي
189
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
لداود عليه السلام بين الحالين حال الاتصال به سبحانه وحال الانفصال عن جميع العالمين من طريق المعنى فقط ولم يجعل تعالى ذلك الجمع في اسمه ، أي اسم داود عليه السلام بل جعل في اسمه الانفصال في الحروف فقط فكان ذلك الجمع بين الحالين في الاسم اختصاصا لمحمد نبينا صلى اللّه عليه وسلم على داود عليه السلام أعني بذلك الاختصاص التنبيه عليه ، أي على الجمع بين الحالين باسمه صلى اللّه عليه وسلم كما ذكرنا فتم ، أي كمل له ، أي لنبينا صلى اللّه عليه وسلم الأمر وهو الجمع المذكور عليه الصلاة والسلام من جميع جهاته اللفظية والمعنوية وكذلك تم له الأمر في اسمه أحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن بعض حروفه منفصل والبعض متصل فقد جمع الاتصال والانفصال في اسم واحد ، ومثله اسمه محمود هادي وشافع ، فهذا الأمر المذكور من جملة حكمة اللّه تعالى في خلق الأنبياء عليهم السلام . ثم قال تعالى في حق داود عليه السلام فيما ، أي في جملة ما أعطاه اللّه تعالى من العطايا والمواهب على طريق الإنعام عليه والإحسان إليه ترجيع الجبال معه ، أي مع داود عليه السلام بالتسبيح للّه تعالى والتقديس كما قال تعالى : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [ سبأ : 10 ] ، أي رجعي التسبيح فتسبح الجبال بتسبيحه ، أي تأخذ منه تسبيحه وتسبح به ، كما يأخذ المتعلم الكلمة من فم معلمه ويتكلم بها هو ، فيكون رجعها ثانيا بتكلمه بها ليكون ، أي سبب ذلك الترجيع له ، أي لداود عليه السلام ثواب عملها ، لأنه إمامها في التسبيح وهي مقتدية به في ذلك ومتابعة له فيه وللإمام ثواب عمل كل من اقتدى به وكذلك الطير ، اسم جنس ، أي الطيور بأنواعها كانت تسبح معه فيكون له ثواب ترجيعها لمتابعتها له فيما يقول من التسبيح والتقديس وهو نطق الجماد له والحيوان بمثل ما يريد . وأعطاه اللّه تعالى أيضا القوّة وهو تليين الحديد له فكان في يديه مثل العجين يفعل به ما يشاء من شدّة قوّته عليه السلام التي أمده بها ونعته عليه السلام ، أي وصفه اللّه تعالى بها في قوله سبحانه : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 17 ] ، والأيدي جمع يد وهي القدرة والقوّة وأعطاه اللّه تعالى الحكمة وهي العلم باللّه تعالى مع العمل الصالح وفصل الخطاب ، أي الخطاب الفاصل بين الحق والباطل ، وذلك حكمه في بني إسرائيل وقضاؤه بينهم بالحق ، وقيل : فصل الخطاب قوله : أما بعد في كل خطبة وموعظة . قال اللّه تعالى : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ ص : 20 ] . * * *